الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

558

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تمسكوا بنظائرها . وغفلوا عن تغليظ وعيد اللّه تعالى في وقت نزول القرآن ؛ إذ الناس يومئذ قريب عهدهم بكفر . ولا بد من الجمع بين أدلّة الكتاب والسنة . [ 276 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 276 ] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( 276 ) استئناف لبيان سوء عاقبة الربا في الدنيا بعد أن بينت عاقبته في الآخرة ، فهو استئناف بياني لتوقّع سؤال من يسأل عن حال هؤلاء الذين لا ينتهون بموعظة اللّه . وقوله : وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ استطراد لبيان عاقبة الصدقة في الدنيا أيضا ببيان أنّ المتصدق يفوز بالخير في الدارين كما باء المرابي بالشر فيهما ، فهذا وعد ووعيد دنيويان . والمحق هو كالمحو : بمعنى إزالة الشيء ، ومنه محاق القمر ذهاب نوره ليلة السّرار . ومعنى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أنّه يتلف ما حصل منه في الدنيا ، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ أي يضاعف ثوابها لأنّ الصدقة لا تقبل الزيادة إلّا بمعنى زيادة ثوابها ، وقد جاء نظيره في قوله في الحديث : « من تصدّق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل اللّه إلّا طيبا تلقاها الرحمن بيمينه وكلتا يديه يمين فيربيها له كما يربي أحدكم فلوّه » . ولما جعل المحق بالربا وجعل الإرباء بالصدقات كانت المقابلة مؤذنة بحذف مقابلين آخرين ، والمعنى : يمحق اللّه الربا ويعاقب عليه ، ويربي الصدقات ويبارك لصاحبها ، على طريقة الاحتباك . وجملة : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ معترضة بين أحكام الربا . ولما كان شأن الاعتراض ألّا يخلو من مناسبة بينه وبين سياق الكلام ، كان الإخبار بأنّ اللّه لا يحبّ جميع الكافرين مؤذنا بأنّ الربا من شعار أهل الكفر ، وأنّهم الذين استباحوه فقالوا إنّما البيع مثل الربا ، فكان هذا تعريضا بأنّ المرابي متّسم بخلال أهل الشرك . ومفاد التركيب أنّ اللّه لا يحبّ أحدا من الكافرين الآثمين لأنّ ( كل ) من صيغ العموم ، فهي موضوعة لاستغراق أفراد ما تضاف إليه وليست موضوعة للدلالة على صبرة مجموعة ، ولذلك يقولون هي موضوعة للكل الجميعي ، وأما الكل المجموعي فلا تستعمل فيه كل إلّا مجازا . فإذا أضيفت ( كل ) إلى اسم استغرقت جميع أفراده ، سواء ذلك في الإثبات وفي النفي ، فإذا دخل النفي على ( كل ) كان المعنى عموم النفي لسائر الأفراد ؛ لأنّ النفي كيفية تعرض للجملة فالأصل فيه أن يبقى مدلول الجملة كما هو ، إلّا أنه يتكيّف بالسلب عوضا عن تكيّفه بالإيجاب ، فإذا قلت كلّ الديار ما دخلته ، أو لم أدخل كلّ دار ، أو كلّ دار لم أدخل ، أفاد ذلك نفي دخولك أية دار من الديار ، كما أنّ مفاده في حالة